انطلاقا من الاتفاق الموقع بين موريتانيا والسنغال في يونيو 2025، وسعيا لفهم أعمق لمسألة التفاوض كأداة سيادية حاسمة، أخصص هذه السلسلة من المقالات القصيرة تحت عنوان: القوة والضعف في التفاوض.
ذلك لأن التجربة علمتنا أن الحبر قد يسقط ما لم تسقطه المعارك، وأن التاريخ لا يرحم من كتب نصوصه في لحظات ضعف، أو دون إدراك لعواقب التوقيع.
وفي هذا السياق، نعرض خمس محطات تفاوضية كبرى، خسر فيها أصحاب الأرض ما لم يخسروه في الميدان:
1. قرار مجلس الأمن 242 (1967): الخدعة القانونية التي كلفت العرب عقودا من الضياع:
لم يكن الرصاص وحده من حسم نتائج حرب حزيران، بل سطر غامض في وثيقة أممية أعاد ترتيب المشهد لصالح إسرائيل لعقود.
قرار مجلس الأمن رقم 242 صدر بعد النكسة، لكنه لم يطلب انسحابا صريحا من "الأراضي المحتلة"، بل استخدم تعبيرا ملغوما:
النص الانجليزي:
"Withdrawal of Israeli armed forces from territories occupied in the recent conflict."
النص العربي:
"انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من أراض احتلتها في النزاع الأخير."
ذلك الحذف المقصود لأل التعريف ("the") من النص الأنجليزي، جعل القرار مفتوحا للتأويل، وسمح لإسرائيل بادعاء أنها انسحبت "من بعض" الآراضي، بينما احتفظت بالجولان والضفة والقدس ومزارع شبعا.
إنها لحظة تفاوضية خسر فيها العرب مالم يخسروه في الميدان، لأنهم لم ينتبهوا إلى فخ اللغة، ولا إلى لعبة القانون الدولي حين تصيغها القوى الكبرى.
2. حرب اكتوبر 1973: هندسة النصر إلى عزلة تفاوضية
في تلك اللحظة، كانت الجيوش العربية قد كسرت حاجز التفوق الإسرائيلي، وحقق الجيش المصري اختراقا استثنائيا لقناة السويس.
لكن وزير الخارجية الآمريكي هنري كيسنجر استثمر هذا النصر الجزئي ليهندس حلفا اقليميا جديدا، ويحتوي العرب عبر مفاوضات فصل قوات بلا مضمون، اتفاق سياسي منزوع الدسم، أفرغ النصر من محتواه، وحوّل التفوق العسكري إلى تهدئة منزوعة الفاعلية.
مصر وضعت على سكة تفاوض منفرد، وقد انضمت لها الأردن لاحقا، أما منظمة التحرير فاختارت طريق أوسلو دون تنسيق مع دمشق، فوجدت نفسها تدير سلطة محدودة تحت إشراف أمني إسرائيلي مباشر.
وبدل أن يتحول الانتصار العسكري إلى ورقة تفاوض سيادية، تحوّل إلى نقطة انطلاق لمشروع استيعاب إقليمي، تراجعت فيه القضية، وتقدمت فيه شرعنة إسرائيل كشريك.
3. اتفاق أوسلو (1993): اعتراف بلا مقابل
لم يكن اتفاق أوسلو اتفاق دولة، بل اتفاق إداري هش، ينص على ترتيبات عبور وحركة وتنسيق أمني، لا على إنهاء الاحتلال.
لقد تحولت فتح من رأس حربة في المواجهة إلى شريك أمني لإسرائيل، واستبدل التحرير بالتمويل، والنضال بالمكاتب.
4. اتفاق دايتون في البوسنة (1995): تنازلات رغم السيطرة
رغم أن صرب البوسنة كانوا يسيطرون على أكثر من نصف البلاد بدعم صربي مباشر، فانهم خرجوا من المفاوضات وهم يعترفون بوحدة الدولة، ويتقاسمون السلطة، ويخضعون لشروط دولية لم تكن لتفرض عليهم لولا سوء تموضعهم السياسي.
لم تهزم صربيا بالكامل في الميدان، لكنها لم تحسن إدارة لحظة التفاوض، فخسرت ما لم تخسره تحت النار.
5. اتفاق جنيف بعد ديان بيان فو (1954): حين يصبح التفاوض محطة عبور للانتصار
فيتنام الشمالية لم تكسب كل شيء بالقتال، لكنها حولت الاتفاق الى رافعة استراتيجية لحرب جديدة انتهت بإعادة توحيد البلاد.
لقد انتصروا لأنهم أدركوا أن التفاوض ليس نهاية المعركة، بل تحول في أدواتها.
6. آنغولا والموزمبيق: الاستقلال عبر السياسة لا الميدان
حركات تحرر مشتتة، أنهكت القوى الاستعمارية سياسيا، لا عسكريا فقط، وخرجت باتفاقات استقلال من قلب مفاوضات انتقالية، لم تكن فيها الغلبة للميدان، بل للإرادة السياسية والشرعية التحررية.
الخلاصة أن المشكلة ليست في التفاوض، بل فيمن يتولاه.
من لا يملك عقلا سياديا، لا يملك توقيعا سياديا.
ومن لا يحسن تثبيت مصالح بلاده على الورق، سيفقدها لاحقا في الواقع، مهما بلغت تضحيات الميدان.
أحمد ولد امبارك
رئيس مركز ديلول للدراسات الاستراتيجية
برنامج: التجسس على المستقبل